
كان الليل يغطي شوارع تلك المدينه البائسه... بينما هي تغط في سبات عميق؛ سبات يجعلني أتعجب في تصنيفها .. هل هي من فئة الجبابره ام هي من فئة الجبناء.. فكيف هي تستطيع النوم بينما الاذلال والدمار والقهر يفتك بها كل يوم!
كل شيء اصبح عارا.. حتى النوم! ولكن النوم راحه وطمأنينه.. كما ان النوم يجعل الغد يأتي سريعا.. ولكن ماذا سنفعل غدا!!
وايضا لماذا لا استطيع النوم! كم احتاج الأن الى القهوه..لتأخذني الى حيث كنت.. الى الشارع المظلم البائس.. اعاود المسير والنظر الى جدران البيوت الخارجيه ليخترقها نظري واشاهد ماذا يفعل كل بائس في تلك البيوت......
فهناك من يسير باضطراب داخل بيته منتظرا عودة الابن الذي ليس بالعاده ان يتأخر حتى تلك الساعه..
وهناك من يصرخ في وجه زوجته لأمتناعها عن تلبية رغبات مستمره وغير محدوده...
وهناك من يستلقي على سريره وسيجارته لا تفارق فمه وينفخ الدخان الى أعلى.....
ما هذا العار الذي ارتكبه! هل سأبقى حتى الصباح افعله...كما ان الفجر والعار لا يلتقيان..
لذلك فما اطول الليل مع ذلك العار..
سأحاول النوم لكي يأتي الفجر سريعا.. ولكن عندما ينهى السحر الذي اخذني الى الشارع ...
كما أنني لا اريد مستقبلا ان اسير وحيدا في شارع مظلم في وقت متأخر من الليل... فهو يكشف لي اسرار مؤلمه..
***
2
سأكتفي هذه المره بالجلوس على هذه الشرفه.. فالسير في شوارع مدينتنا البائسه محظور!!
ولكن لا باس سأمضي هذه الليله كلها هنا.. لاتمكن من إشباع نظراتي المتشوقه للالم.. التي وجدت في هذا الليل الواضح والصريح هذه الليله مكان خصب لها.. مع أن الليل لازال يغطي هذه المدينه وظلامه اشد ولكنه واضح!! فالبؤس منتشر في كل مكان ولا داعي لاستراق النظرات من خلف الجدران كما المرة السابقه.. فالنظرات في حيرة من أمرها إلى ماذا تنظر…والموقف واضح كل الوضوح فلا داعي لإثارة الشكوك بين جبان وجبار.. كل الأمور بانت الان..
الدخان كثيف والأصوات تتعالى… والليل واضح وصاخب..مواطن الألم والاثاره كثيره.. والنظرات تحوم هنا وهناك
ولكن ذلك الصوت الفظيع حسم الموقف.. وسرق نظراتي نحو الشرق.. إلى موطن ظاهر بشكل صريح…بلدة قديمه .. نساها التاريخ والبشر… استقرت النظرات التي انطلقت بزاوية قاتمة خلف سحابة ضخمه من الدخان فوق تلك البلده…
تلك البلده التي استطاعت ان تنفض مقومات الليل المهزوم…. فلا صمت.. ولا ظلام.. ولا دموع..
فقذائف الدبابات والطائرات منحتهم الخلاص من صمت فظيع… كما إن نور تلك القذائف خلصهم من ظلام مخيف..
وبكائهم بلا دموع حمل صفة الجبابرة.. تلك الصفه التي لم اجزم في منحهم إياها في المرة السابقه..
فقد كانوا يعيشون في بؤس رهيب…
شكرا لهؤلاء الجنود وان كانوا جبناء فقد منحوا تلك النظرات أن تصل هدفها بفعل قذائفهم وصواريخهم… كما انهم منحوها التخلص من
محاولاتها البائسه في اختراق الجدران لمشاهدة البؤس!!!
فلا جدران الان .. الجنود ازالوا جميع تلك الجدران… فلا حاجة للتنبؤ بما يفعله البؤساء… باتت الامور واضحه…
الجميع يقظ ويتأمل في ليل المدينه البائسه…. لعل الجميع أيقن بان لانوم مع ذلك العار….
أصوات الدبابات يرتفع وأصوات القذائف كذلك… الوضوح يزيد والصمت يتلاشى… فلا حيرة في أمر هؤلاء الجبابرة!
وكل الحيره في صمت من هم خارج مواطن الحزن والالم..خارج مدينتنا البائسه وخارج جميع مدننا البائسه ايضا..
فماذا ينتظرون ؟! هل ينتظرون حلا لصمتهم كما عولج صمت ليل مدينتنا البائسه!!!
***
3
مدينة تمادت في بؤسها.. تخلت عن لغة المعاني.. وعشقت لغة الكفر!! فهي لا تأبه بأي مناسبه او حدث .. مهما كان عظيما..
تصر على ارتداء عباءات الحزن والالم .. كل ذلك بمحض ارادتها!
شوارعها خاليه كما هي نفوس ساكنيها .. خاليه من أي معنى للسرور او الفرح او حتى أي ابتسامه عابره ..
عشقت حزنها الذي تمادت فيه….
لا تتعجبوا بانها كذلك.. فهي من اشد المعجبين بنظام الكفر العالمي… ولحسن حظها بان مظاهر هذا الاعجاب لاحت مع بداية الشهر الفضيل…
فساكنيها اقتنعوا بان شوارعها الخاليه.. انعكاس لرغبات الصوم المتعطشه للراحه والتزام البيوت… وليس انعكاس لما يسمى "حظر تجول" !!
كما ان اطفالها اقتنعوا بان اصوات الانفجارات والرصاص ما هي الا بدائل لمدفع رمضان والالعاب الناريه !!
وحالة الجوع.. ومبادلة الناس لحاجياتهم؛؛؛ ما هي الا من عادات البشر في هذا الشهر الفضيل من اغاثة الانسان لاخيه الانسان.. ولا علاقة لاجراءات الاحتلال التعسفيه بذلك…
مدينة ملتزمه ومتعاونه.. فهي مدينة تحمل نفسها اسباب بؤسها.. وتعتز به .. لكي لا تتهم بانها متمرده او ثائره على انظمة العالم العادله…
بل تصرخ بكل ايمان …
يحيا البؤس… ويحيا الحرمان ……
***
4
البرد يغطي المكان يحجب كل شيء .. الا ذلك الجزء الجميل .. الذي دائما يجعلني في شوق لان اصغي الى ذلك التداخل بين الذاكره والشوق واللهفه اليه .. ذلك الجزء المتمثل بتلك اللوحه الرائعه التي يكفي اسمها لنثري الى اجزاء .. يحمل كل جزء فيها شوقه وحنينه باسلوبه وطريقته …
ذلك المزيج الذي لا ينتهي من كل شيء ..
لكني لم اكن اتصور بان ليل مدينتنا ستصل ظلمته حد السلب !! لقد سلب ذلك المزيج في لحظات واستبدله بمزيج من الخوف والترقب! فلقد تحرك صمته فجأه ليضرب موعدا جديدا مع احدى لوحاته الجائره…
استجمعت نفسي بسرعه بعد النداء الثاني ونهضت .. شباك الغرفة في الطرف الاخر .. عليّ اولا أن امر بالشباك … شباك اعتدت ان اشاهد من خلاله محتويات هذا الليل المؤلم ..
اليدان موثقتان الى الخلف .. والعيون تختفي خلف ستار محكم .. والراس يتدلى الى الاسفل مجبرا .. والسير في صفوف محكمة التنظيم .. والجلوس لا يكون الا ارضا !!
كان ذلك هو المشهد الاول .. فلم ارغب بالاستمرار .. فحملته معي وعدت الى سريري .. لينعكس على جميع ما تحط عليه نظراتي !!
فالستائر والجدران بدت خائفه ومترقبه .. اللوحات كذلك .. يزداد ترقبها كلما اقترب الصوت اكثر .. ويزداد خوفها كلما اقتربت تلك الكلاب المصاحبه بل والمسيطره على ذلك المشهد ..
يبدو انني سامضي الليله بكاملها هكذا .. وكم ستكون ليلتي طويله مع هذه الاصوات .. اطفئت الضوء الخافت الذي كنت اسير عليه .. وذهبت لأتكور في السرير …
وانحدرت الافكار من كل جانب .. هل هو الم الواقع ام هو ضعف الانسان .. ام هو غريزة خوف او فزع او ترقب .. ام هو ليل مدينتنا الجائر !! ام هو كابوس مزعج !!
في السابق كان راسخ لدي بان الكابوس هو مشاهد من الفزع والخوف والترقب يراها الانسان في نومه .. فيهرب الى يقظته …
ولكن يبدو ان الكابوس يتم تعريفه في مدينتنا بمنطق معاكس !!!!!
***
نابلس
2002
كتبها Motaz في 07:32 مساءً ::
الاسم: Motaz
